|
العدالة سمة السياسة المالية العامة عند أمير المؤمنين الإمام
علي بن أبي طالب (ع)
.JPG)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله و
صحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته ، و بعد :
فانه من دواعي السرور أن نعود إلى تراثنا العربي والإسلامي حيث الحق و
العدل .
وان من أساسات طلب العلم أن ندرس الفكر الاقتصادي عند أمير المؤمنين
الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، حيث اختصه الله سبحانه و تعالى من بين
الصحابة رضوان الله عليهم بخصائص كثيرة منها العلم الغزير، ذلك العلم
الذي زقه رسول الله (ص) ،حيث كان (ص) هو من رباه و أدبه و علمه .
لقد وفقني تعالى لاختيار جذوة من مصباح رسول الله(ص) كان قد استقاها
أمير المؤمنين علي (ع) منه في "السياسة المالية العامة" ، حيث كتب
الإمام علي (ع) إلى واليه "مالك الأشتر" يقول :
((وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فان في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن
سواهم ، و لا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج
و أهله )) *(1) انتهى كلامه (ع) .
المقصود بالخراج في المصطلحات الاقتصادية الحالية هو الضرائب ، و هنا
نلاحظ أن الإمام (ع) يلفت إلى أن الغرض من الخراج والضرائب هو الإصلاح
الاقتصادي ، كما يعتبر أن السياسة الضريبية الصالحة العادلة تؤدي إلى
إصلاح حال الأمة ، باعتبار أن ذلك يعالج الفائض الموجود في أيدي
الأغنياء بالاقتطاع ، في الوقت الذي يعالج فقر الفقراء بالإنفاق عليهم
و سد حاجاتهم . و يعتبر (ع) أن الناس كلهم يعيلهم الأغنياء بما يؤدون
من ضرائب و خراج ، ولولا ذلك المال المقتطع من الأغنياء لما تم تامين
الحاجات والمنافع العامة للأمة كلها .
وفي سياسة جباية الخراج أوالسياسة الضريبية يتابع (ع) في كتابه نفسه
فيقول :
((
وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك
لا يدرك إلا بالعمارة . و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك
العباد ، و لم يستقم أمره إلا قليلا.)) *(2)انتهى كلامه (ع) .
في
الواقع هذا أبلغ ما كتب في علم المالية العامة ، فالمقصود بعمارة
الأرض تنميتها ، و في المصطلحات الاقتصادية الحالية هي " التنمية
الاقتصادية المستدامة"، تلك التي تتحقق من خلال تدخل الدولة عبر
السياسات الاقتصادية بهدف تحقيق نمو مستمر للدخل القومي أو دخل الأمة.
وأما استجلاب الخراج فهو الاقتطاع الضريبي في المصطلحات الحالية كما
ذكر آنفا .
فالمقصود - والله العالم - هو أن التنمية أو عمارة الأرض قيد و شرط لا
يتحقق تحصيل الخراج أو الضرائب إلا بتحققها ،لأن التنمية أو عمارة
الأرض تؤدي إلى نمو الإنتاج وبالتالي نمو الدخل القومي أو دخل الأمة، و
هذا يؤدي إلى تحقيق الفائض الاقتصادي الذي يمكن اقتطاع الخراج أو
الضرائب منه .
ثم
يتابع الإمام (ع) كتابه إلى واليه فيقول :
((
...فان شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة ، أو أحالة أرض اغتمرها
غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم ، بما ترجو أن يصلح به أمرهم ، و لا
يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم ، فانه ذخر يعودون به عليك في
عمارة بلادك و تزيين ولايتك))*(3)انتهى كلامه (ع).
وهنا نلاحظ ضرورة تحقيق العدالة في التكليف الضريبي ودراسة الحالة
المالية للمكلف ، فالإجحاف الضريبي في حق المكلف ليس فقط خلاف العدالة
الضريبية فحسب ، بل هو سبب لنقص الحصيلة الضريبية . كما نلاحظ أن تخفيف
العبء الضريبي عن المكلفين في حالات الانكماش و التعثر الاقتصاديين إذا
أدى إلى انخفاض آني للحصيلة الضريبية ، فانه يؤدي إلى حصيلة ضريبية
وفيرة في جباية لاحقة ، وذلك يشبه ترك الحب في سنبله إلى يوم فيه يغاث
الناس و فيه يعصرون .
ثم
يتابع (ع) فيقول :
((
مع استجلابك حسن ثنائهم و تبجحك باستفاضة العدل فيهم ، معتمدا فضل
قوتهم ، بما ذخرت عندهم من اجمامك لهم(أي من إراحتهم) ، و الثقة منهم
بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم ، فربما حدث من الأمور ما إذا
عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به ،فان العمران محتمل ما
حملته ،...)) *(4) انتهى كلامه (ع) .
وهنا يؤكد (ع) على ضرورة المعاملة العادلة و الحسنة للمكلفين بالضرائب
، و ضرورة الاقتطاع من فائض أو فضل أموالهم ، الأمر الذي يعزز ثقة
المكلفين بإدارة الخراج أو الضرائب . كما يشير (ع) إلى أن المكلفين
بالضرائب و الخراج عند شعورهم بالعدالة في التكليف الضريبي سيقفون إلى
جانب حكوماتهم في الملمات و الكوارث التي قد تقع على البلاد برمتها .
ثم
يقول (ع) في كتابه نفسه إلى واليه متابعا :
((...وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، إنما يعوز أهلها لإشراف
أنفس الولاة على الجمع ،و سوء ظنهم بالبقاء ، و قلة انتفاعهم بالعبر
.))*(5) انتهى كلامه (ع) .
وهكذا فجمع الحكومات لحصيلة ضريبية كبيرة ليس مؤشرا إيجابيا إذا لم
ترافقه العدالة في التكليف الضريبي ، بل على العكس من ذلك ، فإذا ما
بالغت الحكومات في فرض الضرائب فان الأوعية الضريبية ستتآكل إلى درجة
قد نصل معها إلى دخل قومي -أو دخل للأمة -لا يمكن الاقتطاع الضريبي منه
، لان ذلك الاقتطاع سيمس الحاجات الأساسية لاستمرار وجود الإنسان نفسه
في المجتمع .
ثم
يقول (ع) في موضع آخر من كتابه نفسه :
((
ثم استوص بالتجار و ذوي الصناعات ، و أوص بهم خيرا : المقيم منهم ، و
المضطرب بماله ( أي المتردد بين البلدان)، و المترفق ببدنـه (أي
المتكسب ببدنه)، فإنهم مواد المنافع ، و أسباب المرافق ، و جلابها من
المباعد و المطارح (أي أنهم هم الذين يجلبون المنافع من الأماكن
البعيدة ) ، في برك و بحرك و سهلك و جبلك ، و حيث لا يلتئم الناس
لمواضعها ، و لا يجترئون عليها ،فإنهم سلم لا تخاف بائقته(أي لا يخشى
دهاؤهم ) ،و صلح لا تخشى غائلته ، و تفقد أمورهم بحضرتك و في حواشي
بلادك)) *(6) انتهى كلامه (ع) .
وهنا نلاحظ وصيته (ع) بالإحسان إلى التجار وأصحاب الصناعات ، باعتبارهم
أساس التنمية ، و لان جهدهم هو ركيزة الاقتصاد ، فهم سبب النشاط
الاقتصادي ، ومن الجدير ذكره هنا أن طبيعة توجههم للضرب في الأرض و
السعي في برها و بحرها و سهلها و جبلها لتحصيل الكسب يجعلهم مسالمين
محتاجين إلى الرعاية و الحماية وتوفير سبل السلامة والتشجيع من قبل
الحكومات .
ثم
يوصي (ع) بالفقراء في موضع آخر من كتابه نفسه فيقول :
((ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم و المساكين و
المحتاجين و أهل البؤسى(أي شديدي الفقر ) و الزمنى (أي أصحاب العاهات
)، فان في هذه الطبقة قانعا (أي سائلا) و معترا (أي متعرضا للعطاء دون
سؤال) ، و احفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم (أي أد لله حقهم ) ، و
اجعل لهم قسما من بيت مالك ، و قسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد،
فان للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، و كل ما قد استرعيت حقه ، فلا
يشغلنك عنهم بطر ( البطر طغيان النعمة )، فانك لا تعذ بتضييع التافه
لإحكامك الكثير المهم (أي انك مسؤول عن كل الأمور من صغيرها إلى كبيرها
) . فلا تشخص همك عنهم(أي لا تصرف اهتمامك عنهم ) ، ولا تصعر خدك لهم
(أي لا تتكبر عليهم )......)) *(7) انتهى كلامه (ع) .
نلاحظ براعة الوصف و دقة التمحيص في السلوك ، حيث يعلمنا (ع) الرقابة
على التصرفات من صغيرها إلى كبيرها و خاصة في معاملة الطبقة الفقيرة ،
فهو (ع) يأمر بالرعاية التامة لها ، تلك التي فرضها الله سبحانه و
تعالى ، حيث يجب إعانتهم من الخزينة العامة للدولة و من الإعانات
المحصلة من دول أخرى ، و يؤكد (ع) على أن يعامل قريبهم كما يعامل
بعيدهم بغرض تحقيق العدالة في التوزيع بينهم .
لاحظنا أيها السادة و السيدات أن بضعة أسطر من كتاب كتبه أمير المؤمنين
الإمام علي (ع) إلى واليه على مصر "مالك الأشتر" ، قد تضمن هذا البحر
المتدفق من أصول الفكر و التطبيق في "علم المالية العامة " :
-
حيث تضمن أساس فكرة الخراج أو الضرائب ، و أكد على أن الغرض منها إصلاح
الاقتصاد برمته ، وأن السياسة الضريبية العادلة تصلح حال الأمة كلها .
-
كما لفت إلى أن التنمية الاقتصادية وتشجيع النشاط الاقتصادي هو شرط
لتحقق الفوائض التي يمكن اقتطاع الخراح أو الضرائب منها ، و أن
الاقتطاع الضريبي دون تنمية يؤدي إلى خراب البلاد وهلاك العباد .
-
كما وجه إلى ضرورة النظر في الوضع المالي للمكلف بدفع الضرائب ، وعدم
الإجحاف بحقه ، بل على العكس فقد أمر بالتخفيف عنه في حالات الركود و
التعثر الاقتصاديين ، لأن هذا يعود لاحقا بالخير على المكلف وعلى
الحصيلة الضريبية .
-
ثم يؤكد أن الفقر هو سبب هلاك الأمم ، و غالبا ما يكون - في الظروف
الاقتصادية العادية - بسبب الاقتطاع الضريبي غير العادل و الذي يقوم
على أساس فكرة جمع الأموال في الخزانات العامة دون النظر إلى الوضع
الاقتصادي العام .
-
ثم يشير إلى ضرورة المحافظة على مكانة التجار و ذوي الصناعات و تشجيعهم
و حمايتهم و تسهيل أعمالهم باعتبارهم أساس النشاط الاقتصادي ، و بذلك
يمكن المحافظة على ركائز التنمية الاقتصادية المستدامة ،و زيادة
معدلات نمو الدخل القومي أو دخل الأمة.
-
ثم يأتي في موضع آخر من كتابه ليؤكد على رعاية الفقراء و ضرورة
الإنفاق عليهم و إعانتهم ، لأن الفقراء يمثلون معظم الطلب الكلي على
السلع و الخدمات ، فإذا لم يجدوا ما ينفقون فلن يجد التجار و ذوي
الصناعات مشترين ، و بالتالي لوقفت عجلة الاقتصاد عن النمو .
وهكذا فالعدالة تؤدي إلى التكامل الطبقي لمكونات الاقتصاد عند أمير
المؤمنين الإمام علي (ع) ، فتبدأ من طبقة التجار و ذوي الصناعات الذين
يمثلون الطبقة المنتجة أو جانب عرض السلع و الخدمات في الاقتصاد ،
لتنتهي بطبقة الفقراء الذين يمثلون معظم جانب الطلب على السلع و
الخدمات في الاقتصاد .
أردت من خلال ورقة العمل هذه أن أعرض قبسا من فكر الإمام علي (ع) ،
أفادنا تعالى و إياكم من تراثنا العربي و الإسلامي ، ومن الكنوز التي
تركها رسول الله (ص) .
.......و السلام عليكم و رحمته و بركاته .....
المصادر:
*(1) : نهج البلاغة، تأليف الشريف الرضي (رض) ، تحقيق الشيخ فارس
الحسون،
مؤسسة البلاغ ، دار سلوني ، الطبعة الأولى ، عام 2005م ، صفحة
(559).
*(2) المرجع السابق نفسه ، صفحة (559).
*(3) المرجع السابق نفسه ، صفحة (559).
*(4) المرجع السابق نفسه ، صفحة (559-560).
*(5) المرجع السابق نفسه ، صفحة (560).
*(6) المرجع السابق نفسه ، صفحة (561).
*(7) المرجع السابق نفسه ، صفحة (563). |