كلمة
مركز الفردوس للثقافة والإعلام
في
المهرجان العالمي التاسع لأمير المؤمنين عليه السلام
السلام
عليكم ورحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين..
والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
نرحب بكم أيها الإخوة
الحضور، ونبارك لكم ذكرى مولد مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام، ونسأل الله أن يعيدها عليكم وعلى الأمة وأنتم في تمام الصحة
والعافية.
اعتدنا في مركز الفردوس
للثقافة والإعلام منذ سنوات أن نقيم هذا المهرجان السنوي العالمي لأمير
المؤمنين عليه السلام، وندعو لحضوره مجموعة من المتخصصين والأدباء والشعراء.
وكنا نحاول – نحن اللجنة
المنظمة- أن ننتخب للمهرجان شعاراً يلتقي مع الاتجاه الثقافي السائد في
العام الذي يقام فيه.
ومادام العالم هذه الأيام
يعيش الأزمة الاقتصادية العالمية، التي فرضت نفسها على المحافل الدولية
والأنشطة الاقتصادية والسياسية بل وفي وسائل الإعلام، فقد ارتأينا أن يكون
الشعار لهذا العام
)النهج
الاقتصادي للإمام علي عليه السلام ... دروس للحاضر والمستقبل).
وإن كنا لسنا من أهل
الاختصاص في التفاصيل الدقيقة للاقتصاد، ولكننا نستطيع أن نتكلم في عموميات
الاقتصاد ومرتكزاته العامة التي يقوم عليها.
لقد كان المال والاقتصاد كما
هو معلوم من أهم الأمور التي فرضت نفسها على العقل البشري على مرّ التاريخ
وقد حاول هذا العقل جاهداً أن ينتج النظام الأفضل الذي ينظم العملية
الاقتصادية في حياة الناس.
±
ركنا
الاقتصاد:
ولا شك أن العملية
الاقتصادية إنتاجاً واستثماراً وتوزيعاً ترتكز على ركنين أساسيين: الإنسان
والمال لكلٍّ دوره، فإذا أهمل ركن أو لم يُحسن التعامل الصحيح مع طبيعته
الواقعية وكيفية تنظيمها وتسييرها فإن العملية ستختل من أساسها.
ولعل هذه هي المشكلة
الأساسية وراء التعقيدات والمطبات بل الانهيارات التي وقعت فيها الأنظمة
الاقتصادية التي أنتجها العقل البشري في التجربة البشرية التاريخية الطويلة.
±
النظام الرأسمالي ومآسيه:
فالنظام الرأسمالي الذي
تبلور على يد (آدم سميث) ومن في سربه، والذي قدم ملكية الفرد على كل شيء بل
فتح باب الملكية والتصرف على مصراعيه أمام الفرد، ويلخص ذلك المقولة
الشهيرة (دعه يعمل دعه يمر)وكذلك
القاعدة الرأسمالية التي تقول بترك السوق لوحده لأن هناك ( يداً خفية تنظمه).
هذا النظام لم يكن اهتزازه
الأول هذا الذي نشهده - هذه الأيام - من الأزمة العالمية، بل تتمثل
اهتزازاته ولا جدواه بتلك المآسي التي تثبتها الإحصاءات العالمية حول
الأرقام الفلكية في عدد الفقراء الذي يتزايد كل عام مقابل ازدياد الثروة
الهائلة عند عدد قليل من الأغنياء قياساً إلى عدد الذين يعيشون تحت خط
الفقر.
±
النظام الشيوعي وثغراته:
وليس بعيداً عن هذا – النظام
الشيوعي- مع احترامنا للفكر الإنساني لكننا لا نقدسه، كذلك هذا النظام سواء
أكان ردة فعل على النظام الرأسمالي أو مرحلة حتمية من مراحل التطور البشري
كما ينظّر لذلك القائلون(بنظرية الديالكتيك.(
على كل حال، وإن اختلف
النظامان في الشكل والأدوات ولكن الخطأ يجمع بينهما، ألا وهو عدم التعامل
الصحيح مع الطبيعة الإنسانية ونزعاتها وطموحاتها، أو عدم التفريق في
التعامل بين المال والإنسان.
هذا النظام الذي حاصر
الملكية الفردية، فحاصر بذلك الفطرة الإنسانية وعاش في خيال الدولة التي
تملك كل شيء وتؤمّن للفرد كل شيء ليعطي كل جهده ويأخذ قدر حاجته، فتراجع
الإبداع، وانكمش الابتكار، طالما أن النتاج الشخصي هو في النهاية يذوب في
الملكية العامة إلى غير ذلك من آثار سيئة ومضاعفات.
±
الالتفات
إلى المذهب الاقتصادي الإسلامي:
إننا نقدّر أن الفرصة باتت
مهيأة لكل المتخصصين بالفكر الاقتصادي لإعادة النظر في هذه الأنظمة من جهة،
والالتفات إلى المفردات الاقتصادية في الإسلام لصياغة وبلورة المذهب
الاقتصادي الإسلامي بصورة واضحة، ولا أعني بالصياغة إنتاج المذهب الاقتصادي
الإسلامي لأنه منتج وموجود وإنما الكلام في تبيينه مفصّلاً، فالكلام في
مقام الإثبات لا الثبوت.
والإسلام للجميع لكل فرد على
هذه البسيطة، فالنبي صلى الله عليه وآله إنما بعث للناس كافة، وكذلك أرسل
رحمة للعالمين.
من هنا كان لابدّ لنا من أن
نقف هذه الوقفة ونطل هذه الإطلالة على الفكر الاقتصادي الإسلامي ممثلاً
بالنهج الاقتصادي لأمير المؤمنين عليه السلام.
ولعلنا كمسلمين وغيرِ مسلمين
ملامون لإهمالنا لهذا النتاج الضخم لأمير المؤمنين عليه السلام في الحقل
الاقتصادي، بل في كل حقول النشاط البشري التي لم يخل حقل منها من كلام نظري
أو موقف عملي له عليه السلام إذا جُمع ورُتِّب فإنه سيشكّل منظومة حياتية
متكاملة.
وفي نظرة إجمالية لنتاج
الإمام علي عليه السلام في المال والاقتصاد نستطيع أن نميز نقاطاً ظاهرة في
نهجه.
-1
ربط المال بالأخلاق:
فهو أولاً يربط المال
بالأخلاق بل يجعل المال تحت سلطة الأخلاق ليأخذ الإنسان وهو محور الأخلاق
دوره الطبيعي في قيادة الحياة ولاسيما في جانبها الاقتصادي كالسفينة التي
يقودها ربانها الخبير الحاذق فينقذها من الأمواج العالية والرياح العاتية.
فقد جاء رجل إلى أمير
المؤمنين عليه السلام، والرجل يذم الدنيا فقال عليه السلام: (إن الدنيا
دارُ صدق لمن صدقها، ودارُ عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها،
ودار موعظة لمن اتعظ بها.
أقول: إن هذا الوعي الفريد
في التعامل مع الدنيا والذي يكرس منهجاً متوازياً يلبي الحاجة المادية
لطبيعة الإنسان والحاجة الروحية والأخلاقية، لا كلُّ حاجة على حدة بل
يتفاعلان ويمتزجان نابعتين من طبيعة الإنسان، هذا الوعي هو الذي افتقده
الإنسان في التجارب الاقتصادية الفاشلة التي خاضها على طول التاريخ.
-2
الملكية خلافة:
أما ثانياً: فيرى عليٌّ عليه
السلام وحين نقول يرى نعني بذلك رؤية الإسلام، لأن علياً نتاج الإسلام
وامتداد النبوات، لأن علياً مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار.
يرى عليٌّ أن الملكية
البشرية لأشياء الكون ملكية خلافة لا مطلقة، ليبرز هنا عنصر المسؤولية عن
هذه الأشياء في هذه الملكية، ليس كل شيء مباحاً، وإنما ثمة ضوابط شرعية
وأخلاقية تؤطر هذه الملكية لتجعلها ابتلاءً لا منحةً، يقول عليه السلام:
(إن لله عباداً يختصهم الله بالنعم لمنافع العباد فيقرها في أيديهم ما
بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حولها إلى غيرهم.(
-3
الهدف من الملكية:
أما ثالثاً ففي الإسلام لا
تكون الملكية هدفاً ليس وراءه هدف، وإنما الملكية ليست أكثرَ من مرحلة من
مراحل التعامل مع المال فإذا صارت هدفاً للمسلم المؤمن الواعي فإنها فور
الوصول إليها تنقلب إلى وسيلة لبلوغ هدف آخر، هدف يرتبط بصالح الفرد
والمجتمع.
يقول عليه السلام:
(فمن آتاه الله مالاً فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة وليفك به الأسير
والعاني وليعط الفقير والغارم).
±
الفعل لا الانفعال:
وفي الوقت الذي يستبشر
الإنسان حين يسمع هذه الأيام الأصوات التي ترتفع من خبراء الاقتصاد في
العالم بضرورة إعادة النظر بالأنظمة القائمة وكذلك إعادة النظر بنسبة
الفائدة الربوية وربما إلى إلغائها، بل ربما صرح بعضهم بضرورة تطبيق المنهج
الاقتصادي الإسلامي على المصارف العالمية.
أقول: في الوقت الذي نستبشر
فيه بظهور إرهاصات اليقظة في عقول أهل الاقتصاد وخروجهم من اللاوعي إلى
الوعي والشعور، فإننا نشعر أيضاً مقابل ذلك بالأسف لسببين:
الأول: أن عقول ومشاعر الناس
– ومنهم المسلمون- وصلت مرحلة من الترهل والاستخذاء بحيث لا تبصر أول
الطريق الصحيح إلا بعد انصباب مزيد من المصائب والكوارث التي تهدد الحياة
والمصير.
والثاني: ولعله شيء من
ممارسة النقد الذاتي- وترتيب البيت الداخلي- أننا نحن المسلمين بلغ بنا
التراجع النفسي وبالتالي العملي الميداني أن نتغنّى بأصوات ترتفع من هناك
من الغرب تلمِّح وربما تصرِّح بأن الاقتصاد المالي على الطريقة الإسلامية
هو الأنجع والأفضل.
وكأننا أصبنا بعدوى التطفل
والتشرنق واستمداد الحقيقة من الغرب حتى لو كانت هذه الحقيقة من أبجديات
شريعتنا.
فأنا أركب سيارة صنعت في
الغرب، وأعمل على حاسوب صنع هناك، ويغطيني لباس صنع في الغرب، بل أكتب بقلم
صنع هناك على ورق صنع هناك، فالطبيعي أيضاً أن أفكر بعقل صنع هناك، بل
النتيجة أنني اهتز فرحاً لأن بعض خبرائه في الاقتصاد تكلم عن جدارة
المنظومة الاقتصادية الإسلامية بقيادة العملية الاقتصادية وتوجيه النشاط
البشري.
±
وفي الختام:
آسفون جداً يا الله لأننا
فقدنا أو تزعزعت ثقتنا بدين بل نور أنزلته لتنير قلوبنا وعقولنا، دين كامل
متكامل خطط له أن يرتقي بنا إلى سعادة الدنيا قبل الآخرة.
آسفون يا رسول الله أننا
أهملنا تلك الدموع التي ذرفتها عيناك باكياً خائفاً على أمتك، أهملنا قطرات
العرق التي رشحت من جسدك وأنت تبني الأمة. هذه الدموع التي تكشف عن روح
تتألم لتراجعنا وخذلاننا لمنهج يعزنا ويكرمنا في الدنيا والآخرة.
آسفون يا علي لأننا خذلناك،
وشدة أسفنا توازي شدة خذلاننا لك، خذلناك حين لم نسألك إذ قلت (سلوني قبل
أن تفقدوني(.
لم نتصفح عقلك، ولم نقرأ
قلبك، ولم نستضيء بوعيك، ولعل الرابية التي نجلس عليها متفرجين عليك أنت
والمخلصين تبذلون المهج والدماء من أجلنا وأجل أبنائنا ومن أجل الإنسان،
لعل هذه الرابية تزدرينا وربما تلعننا.
ولكن ثمة أمل يدغدغ قلوبنا
أن قلبك كبير، هذا القلب الذي كان رئيفاً ورحيماً حتى بقاتلك الذي هدّ
بسيفه ركناً من أركان الهدى.
يلوح لنا أملٌ أنك ستسامحنا
بل ستشفع لنا وتبكي بين يدي ربك ليغفر لنا ذنوبنا ويتجاوز عن تقصيرنا.
أخيراً: نرحب بكم مرة أخرى
ونتمنى لكم لحظات مفيدة ونافعة، والآن لنفسح المجال لضيوفنا الكرام، يدلو
كلٌّ منهم بدلوه عسى الله أن يجعل ذلك في صالح أعمالهم وأعمالنا والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.