اليوم الاول: دمشق – قاعة المركز الثقافي العربي في كفرسوسة

    اليوم الثاني: دمشق – السيدة زينب – قاعة الحوزة العلمية الزينبية

اليوم الثالث: حلب - قاعة دار الكتب الوطنية

اليوم الرابع: حمص – قاعة المركز الثقافي العربي

اليوم الخامس: السويداء – قاعة مسرح التربية

 



كلمة مركز الفردوس للثقافة والإعلام

في المهرجان العالمي الثامن لأمير المؤمنين عليه السلام.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم... الحمد لله العزيز الجبار... القوي القهار.. الذي لم يكره أحداً على عبادته، وخيّر الناس بين الجَنة والنار.

والصلاة والسلام على نور الأنوار، ومعدن الأسرار، وقدوة المؤمنين الأبرار، محمد وآله الأطهار، ورضي الله عن أصحابه الأخيار.

أرحب بكم أيها الإخوة الحضور، وأبارك لكم ذكرى مولد أمير المؤمنين، ومولى الموحدين، ووصي رسول رب العالمين، صانع العجائب، ومفرق الكتائب، أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام.

أيها الأحِبَّة:

نتابع في مركز الفردوس للثقافة والإعلام إحياء هذا المهرجان السنوي العالمي لأمير المؤمنين عليه السلام، ومنذ سنوات عدة، نبذل خلالها المزيد من الجهد والعمل المتواصل، وقد حاولنا خلال هذه السنوات أن ننتخب للمهرجان الشعار المناسب الذي يُراعى فيه من الثقافة أصالتُها من جهة، وحداثتُها من جهة أخرى، كما يُراعى فيه الأوضاعُ الثقافيةُ والاجتماعيةُ والسياسيةُ السائدةُ في العالم بشكل عام، وفي عالمنا العربي والإسلامي بصورة خاصة.

وقد ارتأت الإدارة أن يكون شعارُ المهرجان الثامن في هذا العام (الإمام علي عليه السلام والحرية).

ولعلنا نتساءل:

أولاً: لماذا عليٌّ بالذات.

وثانياً: لماذا الحرية دون غيرها من المبادئ والقيم الإنسانية.

وثالثاً: ما علاقة علي عليه السلام بالحرية ولماذا يقرن بها وتقرن به.

أما أولاً: فإن علياً عليه السلام يتميز بخصوصيات ليست لغيره من الأفذاذ والعظماء، هذه الخصوصيات والامتيازات هي التي قدمته على غيره وجعلته المحور الذي تدور حوله فعاليات هذا المهرجان الكبير.

لقد كان هذا الإنسان العظيم أعني أمير المؤمنين، الأخ المواسي لرسول الله صلى الله  عليه وآله وقد آخى النبي صلى الله عليه وآله بين أصحابه مرتين، وفي المرتين كان يصطفي الإمام علياً عليه السلام أخاً له ويقول له: ( أنت أخي في الدنيا والآخرة) كما كان عليه السلام التلميذَ الأنجب لرسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال مراراً وتكراراً (عليٌّ مني وأنا من علي)، إن علياً نفسه يقول عن أتباعه لرسول الله: (كنت أتّبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالإقتداء به).

ولله درّ الشاعر الذي رصد هذه العلاقة في بيت يلخص الرواية بكل فصولها حين يقول في علي:

ورثت شمائِلُهُ براءَة أحمد         فيكاد من برديه يشرقُ أحمدُ.

ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله فتح للبشرية كلَّ سبل الهداية التي تفضي بالإنسان إلى الحياة الكريمة اللائقة به، ومن هذه السبل بل أهمُها القرآن الكريم، لكنّ القرآن الكريم على عظمتِهِ وقداسته لابدّ له من نماذجَ بشريةٍ تحرّكه في حياةِ الناس، ليتحوّل المعنى القرآني من صورة ترسمها الكلمات إلى واقع ينبض بالحياة.

إن القرآن حين يحدثنا عن معنىً من معاني الحرية، الحرية التي تعني الإنعتاق من الشهوة التي تُسقط الإنسان في مهاوي الرذيلة والفساد وذلك في قوله سبحانه ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى).

إننا نلمح في هذه الآية الكريمة معنى سامياً وخلقاً عظيماً، فنتلفّت حولنا نبحثُ عن تجسيد بشري لهذا المعنى ينزله أولاً: إلى بقعة الإمكان، ويكونُ ثانياً قدوة ميدانية لنا، فنجد أنبياء الله، لكننا نحس بقداسة خاصة لهم حتى لَيشعر أحدنا أنهم من عالمٍ غيرِ عالمنا، عالم كلُّهُ قداسةٌ وطهارةٌ وبراءةٌ وصدقْ، فنعيد التلفتَ باحثين عن أناسٍ مثلنا لا أنبياءَ ولا مرسلين، لنجد عليّاً عليه السلام يملأ آفاق الرؤية غيرَ ملتفت إلينا، لا يريد منا اعترافاً بطهارته وأنه مع القرآن والقرآنُ معه، بل همُّه وشغْلُهُ الشاغل عبادةُ الله ورضوانُهُ فنتعلّقُ به، ونحبُّه ونعشقه، بل نهيم بمعناه الذي يرتفع بنا فنشعر بالإنعتاق والحرية والسمو فوق هذا العالم المحدد بالأبعاد والأجسام والأوهام.

 ونحن حين نقرأ آيات الله التي تحثُّ الإنسان ليكون حرّاً من خلال العبودية لله، فأن تكون عبداً لله يعني أن تكون حراً مع غيره، وإذا كان حقاً قولُ بعضِ الفلاسفة أن في الإنسان جانباً من الخضوع إذا لم يملأ بالعبودية لله مليء بالخضوع لغيره، فإننا نسمع علياً وهو يناجي ربه في السجود الأخير من صلاته قائلاً:

إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً...

وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً...

أنت كما أحبُّ فاجعلني كما تحبْ.

وأما لماذا الحرية دون القيم والمبادئ الإنسانية الأخرى؟

فإن الحريّة هي المعنى الذي تهفو إليه أفئدةُ البشر، والحرية هي المناخ الطبيعي الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته، وتتفجرُ فيه مواهبُه وطاقاتُه، فيبدعُ ويخترعُ ويعمّر الكون.

بل تستطيع أن تقول: إنّ الحرية ليست مطلباً إنسانياً فحسب، لأن مخلوقاتِ الله من غير الإنسان تطلبها ولو غريزياً، وبنظرة عابرة إلى سلوك الطائر حين يكون حراً طليقاً يملأ الآفاق تغريداً، حتى يحبس في قفص وربما قفص مذهب يأتيه طعامُه وشرابُه إليه دون عناء لكن ذلك لا يرضيه ولا يغنيه، فيرسل نظرات الإستغراب حيناً، وآهاتِ الاستعطاف حيناً آخر معبراً عن أنّ هذا الوضع الذي يعيشه ليس هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه.

ولأهمية هذا المبدأ يُرفع شعاراً للثورات والأحزاب، ولقد رفعهم الصادقون وغيرُهم، والمستضعفون وغيرُهم، وكم من الممالك والدول أزيلت باسم الحرية، ومن الثورات أشعلت بوقود الحرية.

ولأنّ الحرية مبدأٌ بين الضرورة والخطورة رأينا أن نجعله أحد ركني شعار هذا المهرجان ليكوّن الإثنان معاً العنوان العام (الإمام علي عليه السلام والحرية).

جاعلين نصب أعيننا ترسيخ هذا المبدأ من ثقافتنا الإسلامية، ومعارفنا الإنسانية ومبادئنا الوطنية، لا من ثقافات أخرى غريبة عنا علينا أن نعد للمائة قبل أن نتفاعل مع أبسط مفرداتها،

وهل نحتاج إلى من يثقفنا في الحرية- جان جاك روسو أو غيره- مع احترامنا الشديد للفكر الإنساني كله.

أقول هل نحتاج إلى ذلك وهذا قرآننا ينادي بالناس آناءَ الليل وأطرافَ النهار: لا إكراه في الدين.

ويقول للنبيِّ الأكرم صلى الله  عليه وآله: (إنما أنت مذكر... لست عليهم بمسيطر).

وهذا نبينا نبي الرحمة حين فتح مكة، وأمكنه الله من الذين كانوا يكيدون له ولرسالته ويحيكون المؤامرات لإسقاط دعوة الخير والحرية، هذا النبي لم يكرهم على الدين بل قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وأما لماذا تقرن الحرية بعلي؟

فالجواب هنا له طعم آخر ونكهة مميزة.

فعلي عليه السلام لا ينظر لمفهوم الحرية ولا يتعامل معه معنىً تجريدياً، وإنما يقرن القول بالفعل، وربما قدم الفعل على القول، بل ربما ترك القول حين يكون الفعل أبلغ وأصدق.

أمّا عن الفعل فعليٌّ حين بايعه الناس خليفة للمسلمين، وعارضه آخرون لم يُكرِه أحداً على البيعة ولم يظهر أي حساسية تجاههم.

وأما عن القول فها هو ينادي كما ينادي القرآن حين يبدأ آياته بكلمة يا أيها الناس،ولا عجب أن يتطابق نداءُ علي ٍّ مع نداء القرآن أليس عليٌ هو القرآن الناطق، يقول عليه السلام: أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمةً، وإن الناس كلهم أحرار.

والحرية عند علي أوسع من المعنى السياسي المتداول. إننا نفهم من علي عليه السلام أن هذا المعنى السياسي ما هو إلا صدى للمعنى الأعمق للحرية، الذي يعني الإنعتاق من الطمع، يقول عليه السلام: ( العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع).

ويقول عليه السلام في معنى آخر للحرية: من ترك الشهواتِ كان حراً.

ولا يفوتنا في هذه المناسبة أن نبارك لأمتنا العربية والإسلامية بتحرير الأسرى من العدو الصهيوني نتيجة بطولة وبسالة وصدق المقاومة الإسلامية والوطنية في لبنان، هذا التحرير الذي يتزامن مع مهرجاننا هذا ويتطابق مع معنى الحرية.

والآن اسمحوا لنا أن نفسح المجال للسادة المفكرين والأدباء والشعراء والمسرحيين ليدلي كلٌّ بدلوه، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعاً إدارةً ومحاضرين ومستمعين لإنجاح هذا المهرجان وتحقيق غاياته إنه سميعٌ مجيبُ الدعاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


دمشق