كلمة الأستاذ عدنان عويّّّّد




بسم الله الرحمن الرحيم 

عنف الدولة – أميركا نموذجاً

إذا كان تاريخ المجتمعات البشرية ودولها يسير أو بتحرك وفقا لقوانين موضوعية، غالبا ما تتدخل فيها الإرادة الإنسانية الخيرة من أل توجيه دفة حركتها وأهدافها وفقا لمصالح الإنسان عموما، إلا أن الدول التي يشكلها الرأسمال الاحتكاري الذي لا يعرف وطنا وبالتالي لا يعرف حدوداّ للقيم، وتحركه دائماً أكثر من أي شيء آخر رائحة الدم، وبالتالي أين تكمن ضحاياه يتحرك، وأي مكان يتحرك إليه يجب أن تفوح منه رائحة الدماء، وينتشر الفقر والبؤس والجريمة، وعلى اعتبار أن تاريخ الرأسمال الاحتكاري العالمي هو هكذا تاريخ أسود ملطخ بدماء الشعوب التي استغلها عبر حركته وتشكله تاريخيا، لذلك لم يستطع عبر مسيرته أن يعمل في النور، بل ظل يعمل في الظلمة، ومن يعمل في الظلمة تظل المؤامرة وممارسة القهر والعنف على الآخرين ديدنه وأسلوب حياته التي يستخدمها في تحقيق أهدافه التي يأتي في  مقدمتها نهب ثروات الشعوب واستعبادهم، وهذا هو تاريخ الرأسمال الاحتكاري الأمريكي أيضاً منذ أن أسس الدولة الأمريكية حتى الآن، انه تاريخ جريمة وقهر وظلم بحق الشعوب المستضعفة وعلى رأسها الدول العربية والإسلامية.

إن من يقرأ تاريخ تشكل الدولة الرأسمالية الاحتكارية الأمريكية وتزايد قوتها واتساع نفوذها عالميا، بجد أن جذور الإرهاب تكمن في الإرهاصات الأولية لتشكل هذا الدولة التي قامت عمليا على إبادة السكان الأصليين من هنود أمريكا وبخاصة من المغامرين الأوائل الذي هاجروا إليها ومعظمهم من الإنكليز واليهود آنذاك، ثم تابعت مسيرة قهرها وظلمها لشعوب العالم المستضعف بعد أن نمت وتطورت كدولة إرهاب.

نعم إن إرهاب أمريكا تجاه شعوب العالم بدأ مع أواخر القرن الثامن عشر، أي بعد عدة سنوات من تشكل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث راحت هذه الدولة الوليدة توجه أنظارها إلى الشرق خزان الثروات الهائل الذي كان محط صراع الغرب الإستعماري منذ مئات السنين، ففي هذه الفترة بدأت السفن التجارية والحربية الأمريكية، إضافة إلى دبلوماسييها وعملاء مخابراتها تظهر في بلدان الشرق ومنها أفريقيا الشمالية على وجه الخصوص.

شركاء بوسطن، أو (زمرة ايسكس)، وبداية المشروع الإمبريالي الأمريكي:

لقد كان الأفيون أهم المواد التجارية التي انطلق منها المشروع المركانتيلي (التجاري) الأمريكي مع بلدان الشرق، وخاصة شمال إفريقيا، حيث بلعت كمية الأفيون المتاجر بها سنويا مع هذه البلدان ما بين /4/ إلى /5/ طن سنوياُ، قدرت كمية أرباحها بـ /500%/ من الرأسمال الموظف ـ أي مئات الملايين من الدولارات ـ استطاعت أن تشكل الإرهاصات الأولية للرأسمال الاحتكاري الأمريكي آنذاك، ولكي تضمن أمريكا استمرار هذه التجارة أقامت العديد من الاتفاقيات مع حكام المغرب العربي، مثل اتفاقياتها مع حاكم المغرب عام /1789/، وحاكم ليبيا /1796/، وحاكم تونس في العام نفسه، هذا في الوقت الذي كانت تلجأ فيه إلى قوة السلاح عندما تشعر بأن هناك خطراً يهدد مصالحها، كما هو الحال في حرب الأربع سنوات /1801ـ 1805/ مع ليبيا وتونس والمغرب، أو في هجومها على الجزائر عام /1816/، أو في دعمها لتركيا ضد اليونان والدول الغربية مقابل حصولها على معاهدة (الأمة المفضلة) مع تركيا عام / 1830/.

في عام /1823/ اتجهت أنظارها إلي مسقط وعقدت معها معاهدة (الأمة المفضلة) لمصلحة مسقط، وفي السبعينيات من القرن التاسع عشر سيطرت على تجارة التوابل في سومطرة مقابل أن تقدم لشعوب تلك المناطق الأفيون والويسكي، وقد حققت جراء هذه التجارة أرباحاً تجاوزت / 700%/ من الرأسمال الموظف.

كل هذه الأرباح الطائلة شكلت طغمة من القارصنة عرفت بـ /زمرة ايسكس، أو شركاء بوسطن/، راحت توظف جزءا كبيراً من اموالها داخل امريكا لتشكل النوات الأولى للطبقة الصناعية الأمريكية فيما بعد، التي أخذت بالضرورة تمد نفوذها السياسي إلى الأوساط الحاكمة الأمريكية، حيث أثرت بشكل مباشر آنذاك على انتخابات مجلس الشيوخ، كما فرضت آراءها في تعيين الوزراء الموالين لمصالحها وغير ذلك.

من هنا بدأت تتشكل الإرهاصات الأولية أيضاً للترابط العضوي ما بين الطغم المالية الأمريكية وسياسيي الدولة أولاً، ثم مع الدولة ذاتها فيما بعد ثانيا، ليشكلا معا ما يسمى برأسمالية الدولة الاحتكارية، فعبر هذا الالتحام أخذت هذه الطغمة توظف إمكانات الدولة المالية والعسكرية والدبلوماسية لخدمة مصالحها الشخصية تحت ذريعة مصلحة الأمة وأمن الدولة. وبناء على ذلك كانت حروبها التاريخية مع العالم الآخر كما هو الحال في حرب الأربع سنوات أو غيرها من الحروب الأخرى الإجرامية بحق الشعوب التي سنشير إليها في عرضنا اللاحق.

هذه السياسة العدوانية في توجهها الاقتصادي رافقتها سياسات أخرى أكثر عدوانية في الاتجاه الروحي والثقافي، فباسم الديانة المسيحية استطاعت أمريكا ممثلة بكيانته رأسمالها الاحتكاري أن توظف الكنيسة لخدمة مصالحها، فعلى تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، قام المرسلون المسيحيون الأمريكان بنشاط كبير في حوض الخليج وعبر مؤسستين دينيتين هما (مجلس المرسلين الأمريكان، وجمعية نشر المسيحية في حياة جيل واحد), بنسخ وتوزيع أكثر من /4/ مليون نسخة من كتاب التوراة، وباللغات العربية والتركية والفارسية، الأمر الذي دفع المؤرخ الأمريكي (تشارلز هاملتون) أن يكتب عن دور التبشير والمرسلين البروستانت قائلاً: (يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة الدينية الأمريكية لما استطاع التجار الأمريكان أن يشتركوا في استغلال مصادر النفط في الشرق الأوسط)، وهذا ما يشير أيضاُ بالنسبة لنا إلى طبيعة الترابط المصلحي ما بين الرأسمال الاحتكاري الأمريكي والصهيوني منذ البداية.

إن ما جئنا عليه يدل وبكل وضوح إلى الطبيعة العدوانية للسياسة الأمريكية، مثلما يشير أيضاً إلى الأهداف الكامنة وراء التوسع الاستعماري الأمريكي الخارجي، وهي هنا المصالح المادية والقيمية للطبقة الرأسمالية الأمريكية والصهيونية التي تعمقت جذورها في صلب السياسة الداخلية والخارجية لأمريكا. لذلك فإن قراءة أولية لواقع هذه الدولة ستقدم مؤشرات ثابتة تشير بهذا الشكل أو ذاك إلى أن هناك توجها واحدا ورئيساً هو تقوية إمبراطورية الدولار والحفاظ على هذه القوة حتى ولو كان ذلك على حساب معاناة الشعب الأمريكي أولاً، ثم معاناة شعوب العالم الآخر ثانياُ، يأتي على رأسها شعوب العالم الثالث.

المعطيات الأساسية لدولة الإرهاب الأمريكية:

أولاً: اعتماد أمريكا على القوة العسكرية وتقوية النهج السياسي المستند على القوة العسكرية ـ الجيش وسباق التسلح ـ تحت غطاء التبشير بأنموذج الديمقراطية الإمريكية. فأمريكا راحت ــ تنتحل لنفسها دور الدركي العالمي، المكلف من قبل الله على تطبيق الديمقراطية عالمياً، فأمام تفردها في السيطرة على العالم بسبب قوتها الإقتصادية الهائلة وامتلاكها للتكنولوجيا العسكرية المتطورة وغيرها من أسباب القوة، راحت تتدخل بشؤون الآخرين من دول العالم  تحت ذرائع وحجج واهية تضعها هي، وبخاصة للدول التي ترفض أن تسير في ركاب مصالحها، لذلك غالباً ما نجد سياستها تحمل التناقض في جذورها، ففي الوقت الذي تدعي فيه بأنها تحارب هذا النظام كونه غير ديمقراطي، نجدها تدعم أنظمة دكتاتورية وتقف ضد التحولات الديمقراطية، بل للطرافة نقول نجدها إلى جانب أنظمة تفتقد حتى إلى دستور ينظم حياة شعبها.

ما بين /1909ــ 1912/ قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف ضد بعض حكومات الدول التي عارضت مصالحها، حيث عملت على تطهير (نيكاراغوا) لمصلحة البيت المصرفي للإخوة (براون)، ومهدت الطريق في / الدومينيكة/ لمصلحة شركات السكر الأمريكية، وفي عام /1916/ ساعدة على جعل (المكسيك) وبخاصة (تمبيكتو) مركزاً أميناً لشركات النفط الأمريكية، كما ساعدت على أن تصبح (هايتي وكوبا) مجالاً حيوياً لمصرف (ناشيونال سيتي بنك)، ومع بداية القرن العشرين استطاعت شركة (ستاندر أويل) المملوكة لـ /روكفلر/ أن تشق طريقها إلى (فنزويلا، وكولومبيا، والمكسيك) لتحل بدل الشركات الإنكليزية هناك، هذا وقد استخدمت في تلك البلدان الكثير من رجالات الإقطاع أو شبه الإقطاع والمسؤولين الفاسدين الذين كانوا على استعداد دائم للتعاون مع المستعمر الأمريكي.

بعد قيام الحرب الكونية الثانية وفشل الرأسمال الاحتكاري الأمريكي والألماني الذي قدم كل الدعم للتنظيم النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا من أجل القضاء على الإتحاد السوفيتي والمد الإشتراكي، وبعد أن أخذ المد الاشتراكي يخترق المعسكر الغربي ويصل حتى أمريكا نفسها، أخذت الولايات المتحدة الأمريكية على عاتقها الدخول في حروب إجرامية في حق الكثير من الشعوب التي وقفت ضد مصالحها آنذاك، ورفضت أن تدخل الطريق الرأسمالي للتنمية، فكانت حربها ضد (كوريا /1945/، وعلى (الفليبين) / 1946/، و(فيتنام) /1945/. كما عملت على محاربة بعض الدول الأخرى بشكل غير مباشر وذلك بدعمها للقوى العميلة لها، كما هو الحال عندما حاربت الصين عن طريق دعمها لعميلها (شيانغ كاي شيك)، وهذا ما عملته كذلك في أمريكا الجنوبية، حيث حاصرت القوى الوطنية في (البرازيل)، و(تشيلي) و(فنزويلا) ورفعت القوى العميلة لها إلى سدة الحكم، كما فرضت قوانين تجارية مجحفة مع قوى موالية لها في بعض الدول، وأقامت قواعد عسكرية لها في العديد من الدول الحليفة، حيث تكمن مصالحها الحيوية، كما هو الحال مع دول الخليج، أما في الشرق فراحت تدوس على أذيال الإستعمار الفرنسي والبريطاني لتحل بدلاً عنه، مدعية وقوفها إلى جانب حركات التحرر العربية، غير أن أهدافها الاستعمارية سرعان ما كشفت من خلال طرحها مشاريع ظهرت أبعادها الاستعمارية منذ الأيام الأولى لطرحها، مثل مشروع (إيزنهاور)، و(حلف بغداد) وغيرها، وها هي تستمر في ممارسة سياستها العدوانية ذاتها وبكل أساليبها في (فلسطين والعراق وأفغانستان وتجاه سورية وإيران) وكل القوى الوطنية والتحررية الشريفة في العالم.

ثانياً: الإرتباط ما بين كباتنة الرأسمال المالي الاحتكاري والدولة: وهذه مسألة ابتدأت مع (شركاء بوسطن)، لتستمر حتى تاريخه مع حكومة بوش وفريقه الحاكم كما يعرف ذلك الجميع.

ثالثاً: توسع حركة الرأسمال الاحتكاري الأمريكي إلى الخارج وتشكيله للشركات العابرة للقارات، أو ما يعرف بالشركات المتعددة الجنسيات، هذه الشركات التي راحت تفرض سياستها العدوانية والإجرامية بحق كل شعوب العالم بناء على تطبيق قوانين المؤسسات المالية والتجارية لهذه الشركات على السوق العالمية، مثل سياسة صندوق البنك الدولي للإعمار والتنمية، واتفاقية الجات وغيرها، هذه السياسات التي زادت من إفقار الشعوب، وتذريرها ونمذجتها وفق إرادة ورغبات المتحكمين بقيادة هذه الشركات وسياساتها، وهم الطغمة الرأسمالية الاحتكارية العالمية.

رابعاً: في عداد الوسائل التي تمارسها السياسة الخارجية الأمريكية من اجل سيطرتها واستعبادها لشعوب العالم، هي اعطاء المكانة الهامة للتنسيق مع الدول الاستعمارية الأخرى، وهو تنسيق يقوم على المصالح المشتركة عالمياً، حيث يتحقق اليوم عبر التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، كما هو الحال في (الحلف الشمال الاطلسي، والسوق الأوربية المشتركة، واللقاءات الدورية لمجموعة الدول الثمان الصناعية).

خامساً: الطبيعة العدوانية للمساعدات الأمريكية التي تقدمها للشعوب الصديقة كما تدعي:

لمعرفة الطبيعة العدوانية لهذه المساعدات وماذا يكمن وراءها من مصالح أنانية للطغم الرأسمالية المتحكمة بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، ثم لمعرفة ما خلفته هذه المساعدات من دمار للشعوب المستقبلية لها، دعونا نقرأ ما يقوله الساسة الأمريكان في أهداف هذه المساعدات، حيث يصرح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وهو (جورج كوفان) قائلاً: (إننا نوزع فائض الأغذية والحاجات الإنسانية ليس بالإستناد إلى الحاجات الملحة، بل استناداً إلى الإعتبارات السياسية الخارجية، وبعبارة أخرى، نستعمل الأغذية  كذخائر، ثم يتابع ... إننا أوقفنا المساعدات الغذائية للشعب (الشيلي) عندما انتخب (اليندي)، وعدنا إلى منحها عندما توصلت القوى العسكرية إلى الإطاحة بحكومة اليندي).

أما وزير الزراعة الأمريكي عام /1977/ فيصرح حول طبيعة هذه المساعدات الإجرامية قائلاً: (... إن العجز في العالم الثالث يمكنه أن يعطي  الولايات المتحدة الأمريكية سلطة لم تتمتع بها من قبل.. فخلال السنوات العجاف يمكن لواشنطن الحصول مبدئياً على سلطة الحياة والموت تجاه الجماهير المعوزة في المناطق الفقيرة).

ولمعرفة الطبيعة العدوانية لهذه المساعدات أكثر، دعونا نقف عند المساعدات التي قدمتها أمريكا لبعض دول أمريكا اللاتينية عام /1964/ والتي بلغت /8932/ مليار دولار أمريكي، حيث يقول فيها ( روبرت كندي) أمام مجلس الشيوخ الأمريكي واصفاً حالة البؤس والفقر والحرمان التي حلت على شعوب المنطقة بفعلها:

(... اعتماد على محصول واحد للتصدير... انعدام الصناعة نسبياً ... غياب  سوق داخلية قوية ... غلبة الاحتكارات الحكومية، والنتيجة لهذا كله هي الفقر والانحطاط والبؤس ودخل للفرد يقل عن /100/ دولار أمريكي في العام، انتشار للفقر، وسوء التغذية في جميع البلدان تقريباُ، نصف السكان لا يصلون الأربعين من العمر، انتشار للأكواخ وبيوت التنك والورق المقوى قرب مصاب المياه القذرة، يتغذى الفقراء على السلاطين التي تعيش في هذه المياه، انتشار للأحياء الفقيرة والمزدحمة بالسكان والموسومة بالفقر والرذيلة...).

سادساً: هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي والتحكم بالأسعار العالمية للسلع:

إن اعتراف البلدان الأوربية المهزومة والمدمرة اقتصادياً في الحرب العالمية الثانية، بسيطرة أمريكا الاقتصادية، وبالتالي خضوعها لشروط مؤتمر (بروتون وودز) /1944/، الذي فرضت فيه أمريكا على الدول الأوربية المجتمعة اعتبار الدولار مساويا للذهب، وجعله عملة احتياطية تقاس عليه كل العملات الأخرى، الأمر الذي أصبح في الدولار عملة عالمية النفوذ والقوة إلى جانب كونه عملة وطنية، ثم لسيطرة أمريكا على إدارة وآلية عمل صندوق البنك الدولي للأعمار والتنمية، أعطى الولايات المتحدة الأمريكية زعامة السلطة للرأسمال الاحتكاري العالمي، وبناء على ذلك راحت الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الأمريكية تفرض إرادتها على العالم، إن لم نقل عشوائية مصالحها غير المحدودة بقيم أخلاقية أو إنسانية.

إن لعب الدولار نفسه الذي يلعبه الذهب كعملة احتياطية ومعيارية للعملات الأخرى على المستوى العالمي، أخذ في الواقع يعرض الاقتصاد العالمي إلى ذبذبات نقدية مستمرة، مثلما راحا أيضاً ينظم عملات العالم ويسوي مشاكله على حسابها، حتى بعد انفصاله عن الذهب كعملة احتياطية عام /1970/.

سابعاً: إشاعة النزعة العسكرية في الاقتصاد، أو ما يسمى عسكرة الاقتصاد:

لقد كان لعسكرة الاقتصاد دوراُ كبيراُ في خلق بؤر التوتر والصراعات العرقية والقومية والطائفية والمذهبية بين الشعوب، فغالباُ ما تقوم الإدارات الأمريكية بخلق هذه البؤر من أجل بيع السلاح، هذا إضافة إلى ما تحققه مسألة العسكرة من تجاوز لأزمات النظام الرأسمالي في أمريكا وعلى رأسها أزمة البطالة، وتنشيط حركة السوق الداخلية... إلخ.

يصرح الأمين العام للأمم المتحدة السابق (كولد فالدهايم) عام /1976/ حول هذه المسألة قائلاُ: ( بأن النفقات على التسليح بلغت في ذلك العام /350/ مليار دولار، ومنذ نهاية الحرب الكونية الثانية حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين كان هناك أكثر من /140/ نزاعاً مسلحاُ مسرحها دول العالم الثالث، سببه تنافس الدول الأوربية على مناطق النفوذ في هذه الدول وعلى رأسها أمريكا).

مفهوم الدولة العادلة في فكر الإمام علي (ع):

أمام هذه الدولة الأمريكية العدوانية التي تجسد عدوانها تجاه شعبها وشعوب العالم في كل مرحلة من مراحل تشكلها، نجد مشروع دولة أخرى تحمل سمات ومعاني العدل لشعبها ولشعوب العالم، أراد أن يؤسس لها منذ نهاية النصف الأول للقرن السابع ميلادي رجل قدر له أن يعيش تجربة حياة تعلم فيها أسس القيادة والحكمة على يد نبي استطاع أن يغير في مجرى التاريخ لحياة أمة، كانت تعيش في دياجير الظلمة والجهل فأخرجها إلى عالم النور والمعرفة، ومن عقيدة رسمت في خطها العام أسس حياة لتكوين إنسان أراده الله أن يكون خليفة له على الأرض، أما رجل الدولة هذا فهو علي (ع). وبالرغم من أن ما يطمح إليه علي (ع) من إقامة دولة إسلامية عادلة راشدة كان قد حدد معالم أسسها الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ الأيام الأولى لاستلامه الخلافة، وبخاصة فيما كان يوصيه لرجلاته الذين كلفهم بقيادة أمور المسلمين في الأمصار، كوصيته (لمالك بن الأشتر)، عندما ولاه مصر، هذه الوصية التي اعتبرت تاريخياً لدى الكثير من السياسيين وثيقة لمشروع تأسيس دولة ـ نقول بالرغم من طموحه هذا ـ إلا أن رؤيته لمفهوم الدولة بصيغتها العقلانية المطروحة في (وصية الأشتر) كانت قبل ذلك بكثير، حيث تجلت هذه الرؤية الدولتية العقلانية منذ اليوم الأول لوفاة الرسول الكريم محمد (ص) وأثناء حادثة السقيفة التي ترك فيها الصحابة الرسول (عليه الصلاة والسلام) على فراش الموت مع علي (ع) وأهله، وراحوا يتفاوضون ويتبايعون على الخلافة، مثلما تجلت أيضاً عبر حكم الخلفاء الراشدين، حيث كان علي (ع) المرجع الحكيم الذي كثيراُ ما لجأ إليه الخلفاء الراشدون لاستشارته عند الضرورات من أمور سياستهم لشؤون الدولة.

تذكر المصادر الإسلامية، بأنه يوم السقيفة لم يترك علي (ع) الرسول (ص) على فراش الموت قبل دفنه ليذهب مع الآخرين يطالب بسلطة له أو لآل بيته، وبذلك سجل موقفا أولياً لرجل دولة أراد أن يقول للآخرين إن قيادة الدولة موقف سياسي أخلاقي ـ قيمي، قبل أن يكون موقفاُ سياسوياً، فالسياسة بناء على هذا الموقف هي غاية لبناء أمة بكل ما تحمل عملية البناء من دلالة، وليست غاية لتحقيق وجاهة، أو الحفاظ على وجاهة، أو لتحقيق غنيمة، لذلك لا نستغرب منه تلك المواقف الأخلاقية في فهمه للخلافة، لذلك نجده قد رفضها عندما طلب منه أبو سفيان أن يمد يده ليبايعه، لأنه وجد في موقف أبي سفيان موقف فتنة أراد إشعالها بين المسلمين، لاسيما وأن بوادرها بدأت في السقيفة، وليس حبا بعلي أو لتحقيق عدالة المسلمين على يديه، من هنا كان رد علي (ع) لأبي سفيان (إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة)، كذلك كان موقفه مع عمه العباس عندما طلب منه الأمر نفسه، حيث أدرك أن مبايعة عمه له ستشكل موقفاً عشائرياُ قبلياُ في مفهوم السلطة أو ربما تحول السلطة إلى (ملك عضوض)، وهو الذي قال (من ملك أستأثر ) ، وهذا ما جاء الإسلام لنفيه و تجاوزه أصلاً ، فكيف يقوم ـ وهو من تفهم الإسلام على حقيقته ـ بمخالفة تعاليم الإسلام، والإسلام يقول : (وأمرهم شورى بينهم )، لذلك جاء رده على طلب عمه العباس يقول :(أني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج ) . وعلى مثل هذا الموقف يأتي موقفه أيضاً من جماعته الذين طلبوا منه أن يمد يده لمبايعته أكثر من مرة في عهد الخلفاء الراشدين عندما كانوا يشعرون أن أمور الدولة بدأت تؤول إلى الإنهيار، وبخاصة في فترة خلافة عثمان، إلا أنه كان يرفض دعواتهم قائلاً: (الدين أحب إلينا من غيره)، وهو بهذا سطر لأول مرة في تاريخ الدولة الإسلامية مفهوم المعارضة واحترام السلطة القائمة، فالمعارضة عنده لم يكن الهدف منها الوصول إلى السلطة لتحقيق برنامج عملها الذي تدعوا إليه فحسب، بل العمل من أجل تقويم عمل هذه السلطة والدفع بها للسير قدماً وفق الشريعة التي رسم الله ملامحها في كتابه العزيز وسنة نبيه، هذا إذا كان التقصير عندها نابع عن جهل في إدارة أمور السلطة، وإذا كانت السلطة القائمة قابلة للنصح والأخذ بالرأي الآخر، فلم السعي إذا على تغييرها بالقوة وخلق الفوضى والفتنة في البلاد، وموقفه هذا في الحقيقة هو الذي جعل الخلفاء الراشدين يأمنون لجانبه ويستشيرونه في الكثير من أمور الدولة عند الضرورة، وهل ينسى التاريخ الإسلامي مقولة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): (لولا علي لهلك عمر). وهذا الموقف العقلاني من المعارضة ظل هو ذاته عندما آلت إليه الخلافة وتسلم زمام الحكم وراح يحكم بين الناس، فعندما رفعت المعارضة ضده السلاح، لم يخوّنها ويكفّرها أو ينكّل بها طمعاً في السلطة ، بل كان يقول فيها :(هم إخوتنا بغوا علينا ) .

مع استلام أبي بكر (رضي الله عنه) الخلافة وانشغال الكثير من الصحابة في تسيير أمور الدولة ، أدرك الإمام علي (رضي الله عنه) ضرورة العمل على تحقيق مسألة لها من الأهمية الدور الكبير في حياة الدولة والمسلمين معاً، وهي جمع القرآن الكريم والحفاظ عليه من الدس والتحريف، لا سيما وأن القرآن هو المصدر الرئيس الذي على أساسه أقيمت الدولة الإسلامية وستستمر إذا ما تمسك المسلمون به. من هذه الرؤية العقلانية لعلي (سلام الله عليه) تجاه أهمية الدستور الإسلامي في الحفاظ على الدولة واستمراريتها مستقبلاً، جاء موقفه أيضاً في كتابة (الجامع) وهو من إملاء الرسول الكريم (ص)، وبذلك يكون قد سجل موقفاً تاريخياً آخر في حياة الدولة العربية الإسلامية على أنه رجل دولة.
أما رؤيته أو موقفه من دولة القانون، فقد سجل في هذا الإتجاه أيضاً موقفاً تاريخياً من خلال المحاكمة التي جرت بينه وبين اليهودي في قضية الدرع، عندما ادعى اليهودي أن الدرع له، وهو في الحقيقة لعلي (عليه السلام) فاحتكما إلى القاضي، وعندما  طلب القاضي من علي البينة لم يستطع تقديمها فتنازل عن حقه أما سلطة القانون.

كيف لا يكون علي هكذا وهو القائل: ( إنا لم نحكم الرجال، وإنما حكمنا الله)، فكان درساً لمن يريد أن يكون رجل دولة بامتياز، ومن موقفه تجاه دولة القانون، يأخذنا علي (عليه السلام) إلى موقف المواطنة في الدولة، الموقف الذي لم يفرق فيه بين مسلم ومسيحي، فالكل مواطنون يخضعون لسلطة الدولة، حيث تذكر القصة ذلك النصراني الضرير الذي راح يسأل الناس الصدقة، فأمر علي (عليه السلام) أن يعطي النصراني حاجاته من بيت مال المسلمين وهو يقول: (استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت مال المسلمين ). كما يقول في هذا الاتجاه مخاطباً الأشتر أيضاً: (واعلم بأن الناس نوعان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)، أمام هذا الموقف من المواطنة لعلي (عليه السلام) يأتي موقفه أيضاً تجاه الفقراء والمحرومين، وذلك بقوله لابن الأشتر: ( الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين)، وفي الوقت الذي يوصي فيه الإهتمام بالفقراء، نراه يوصي أيضاً بالتجار والصناع والحرفيين قائلاً للأشتر: (استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوصي بهم خيراً). وذلك لمعرفته كقائد دولة بأهمية القاعدة الاقتصادية في بناء الدولة واستقرارها، فعلى جهود الصناعيين والحرفيين والتجار، تقوم الدولة القوية، ويتحقق الرفاه لمواطنيها، فبدون تطو الاقتصاد وتنمية المجتمع تهلك الدول، وهذا ما جعله يوصي الأشتر أيضاً بقوله: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج). ويكون بذلك قد وضع الإصبع على الجرح بمعرفته النتائج الوخيمة التي ستؤول إليها الدول عندما يقتصر دخلها الوطني على الضريبة فقط دون التنمية، فالدول التي تعتمد في دخلها على الضريبة مآلها الدمار، وهذا ما كان مآل الكثير من الدويلات الإسلامية التي جاءت فيما بعد، حيث تركت البلاد والعباد في الفقر والجوع والحرمان، وبالتالي الإساءة إلى الدين نفسه.

إن كل ما جئنا إليه في تحليلنا لتلك المواقف الإنسانية في مفهوم الدولة لدى علي (عليه السلام)، ولتكتمل الصورة الإنسانية في هذا الاتجاه أكثر فأكثر، نستطيع الإضافة في هذا الاتجاه لنقول: لقد كان علي (عليه السلام) يدعو إلى العدل والإنصاف والتسامح والمحبة والرحمة والصبر على حوائج الناس، وإلى حسن المعاملة بين الرعية والراعي، وإلى احترام القضاء والاهتمام بالقضاة، وتأمين حاجاتهم وزيادة الإنفاق عليهم حتى لا يقعوا في ظلم الناس بسبب الحاجة، فتعم بسبب ذلك الرشوة والفساد بينهم.

نعم بعد كل هذا نستطيع القول: لقد كان علي (عليه السلام) رجل دولة أراد للإسلام أن يكون دولة قوية منيعة ليس للعرب وحدهم بل لكل من آمن بالإسلام من بني البشر، أراد لهذه الدولة أن تكون دولة عقيدة تدعو إلى الخير والمحبة والإنسانية، ولكن الآخر أراد لها أن تكون دولة غنيمة، بيد أنهم سقطوا مع غنيمتهم هذه واسقطوا معهم الدولة، ولكن التاريخ لم ينته بعد، فطالما أنه لم يزل هناك في الإسلام رجال دولة آمنوا بالإسلام عقيدة منفتحة في نصها المقدس، وآمنوا بأن الحياة في حالة تطور وتبدل، وأن عمران البلاد والعدل بين أهلها يقع على عاتق الإنسان، الذي خلقه الله ليفكر ويتدبر أمور حياته، وهذا ما آمن به علي (عليه السلام)، وهو الذي أوصى الأشتر قائلاً: (وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك)، بيد أنه لم يسقط المرجع الأساس للبت النهائي بمصالح الناس والعدل بينهم عندما يشتبه عليهم معرفة الغامض من أمور حياتهم، لذلك نجده يقول للأشتر: (واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور), وبذلك يكون علي (عليه السلام) في الوقت الذي آمن بالنص المقدس كمصدر أساسي للتشريع، آمن أيضاً بحرية الإرادة الإنسانية والعقل الإنساني في البحث عن سعادة الإنسان. نعم كيف لا يكون هناك دور لحرية الإنسان وعقله في بناء عالم الإنسان، وأول آية قرآنية كريمة نزلت تقول: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)، فالله جل جلاله لم يدعنا إلى الإتكال عليه في كل شيء من أمور حياتنا، بل طالبنا بالعمل والتفكير في هذه الحياة، كيف لا وهو الذي جعلنا خلفاء له على هذه الأرض. بهذا الفهم العالي من قبل علي (عليه السلام) لأمور الدين والدنيا، جاء سر استمرارية فكره الدولتي بامتياز، وبهذا الفهم العالي لجوهر الإسلام، تجسدت قوة الإسلام، وبهذا التطبيق العملي للإسلام كدين ودولة، جاءت قوة الدولة الإسلامية الإيرانية الآن في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والعسكرية، وفي تحديها لأقوى دولة إرهابية في العالم المعاصر وهي الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل.

                                                                                                     عدنان عويّد

 

>>> لمعرفة المزيد عن إرهاب الدولة الامريكية راجع دراستنا في مجلة النهج:

1- العدد /17/ شتاء 1999، دراسة بعنوان: الدور المتنامي للرأسمال الاحتكاري الأمريكي.

2- العدد /23/ صيف 2000، دراسة بعنوان: رأسمالية الدولة الاحتكارية.

كل ما يتعلق بأقوال الإمام علي (عليه السلام) تعود إلى:

1- دولة الإمام علي (عليه السلام)، دار البيان للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. حارة حريك، 1933.

2- ثقافة التعايش في فكر الإمام علي (عليه السلام)، مجموعة الكلمات التي ألقيت في المهرجان العالمي الخامس للإمام علي بن أبي طالب في لندن ودمشق، الفردوس للثقافة والنشر، الطبعة الأولى 2006.

 

حلب